حبيب الله الهاشمي الخوئي
155
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
يوصف الجماد بالركوب فهكذا الميّت . وهذه الفقرة مثل قوله عليه السّلام في الخطبة المأة والعاشرة : حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وانزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفانا . ( فكأنّهم لم يكونوا للدّنيا عمّارا ، وكأنّ الآخرة لم تزل بهم دارا ) يعني أنهم لظعنهم عن الدّنيا وتركهم لها بكلَّيتها كأنّهم لم يكونوا ساكنين فيها وعامرين لها . وأنهم لارتحالهم إلى الآخرة واستمرارهم فيها أبد الآباد كأنّها كانت لهم منزلا ومقيلا . ( أوحشوا ما كانوا يوطنون ) من دار الدّنيا ( وأوطنوا ما كانوا يوحشون ) من الدار الأخرى استبدلوا بظهر الأرض بطنا وبالسعة ضيقا وبالأهل غربة وبالنّور ظلمة . ( واشتغلوا بما فارقوا وأضاعوا ما إليه انتقلوا ) أي اشتغلوا بما فارقوا عنه من نعيم الدّنيا وقيتا تها وأضاعوا ما انتقلوا إليه من نعيم الآخرة ولذّاتها . وذلك لكون اشتغالهم بالدّنيا وشعفهم بلذّاتها الحاضرة مانعا لهم عن الالتفات إلى الكمالات المؤدّية إلى لذّات الآخرة ، فذهبت هذه اللذات ضياعا ، وفاتت عنهم لما فرطوا فيها وقصروا في تحصيلها وأعقبهم فواتها طول الحسرة والندامة ، وملامة النفس اللوامة ، وذلك لعظم ما حصلت لهم من الخيبة والخسران ، وعدم امكان تدارك تلك الحسرة والحرمان وإليه أشار بقوله : ( لا عن قبيح يستطيعون انتقالا ولا في حسن يستطيعون ازديادا ) أي لا يقدرون على الانتقال والازعاج عن أعمالهم القبيحة المحصلة للعذاب ، ولا على الاكثار والازدياد من الأعمال الحسنة الكاسبة للثواب ، إذ الانتقال عن الأولى والازدياد من الأخرى إنما يتمكَّن منهما في دار التكليف ، والآخرة دار الجزاء ولذلك أنّ كلَّا منهم إذا دخل في قبره وشاهد هول المطلع قال : ربّ ارجعون لعلَّى أعمل صالحا فيما تركت ، ويقال في الجواب : كلا إنّها كلمة هو قائلها . ( أنسوا بالدّنيا فغرّتهم ) لأنها حلوة خضرة حفت بالشهوات وتحبّبت إلى الناس بلذّتها العاجلة الحاضرة فأنسوا بها ونسوا الآخرة ( ووثقوا بها فصرعتهم ) أي اطمئنّوا إليها واعتمدوا عليها لما شاهدوا من حسن ظاهرها فصرعتهم في مصارع الهوان فبئست